الخوجة حميدة العنيزي في ذكري وفاتها

الخوجة حميدة العنيزي  في ذكري وفاتها
(1982-1892)

imjages

يبيـد الـزمـان ومُدَتِه *** وتفنى الْخلائق جدَّتِه
تُطْوى الْدُهور سجِّل الْحياة *** وتبـقى من المرء سـيرتَه

في وسط هذا الزحام و من بين ماتبقي من الركام السياسي والثقافي تمر الذكري الثانية والثلاثون لرحيل المربية الفاضلة ” حميدة العنيزي ” تمر دون ان تحرك المؤسسات الثقافية والمثقفين ساكنا…
احتل العثمانيون ليبيا 360 عاما …لم يفتح خلالها سوي مدرسة واحدة للفتيات في طرابلس لتضمن التعليم لبنات ضباطها و موظفيها اما بنغازي فقد حرمت من ذلك وكانت العادات والتقاليد تحول دون تعليم الفتيات ،فقد كان المجتمع مصرا علي حجب الفتاة عن الخروج من الدار عند السن العاشرة وبقاؤها في الدار حتي يتم زواجها فتخرج من الدار..ففي ظل هذه الظروف ولدت ” حميدة محمد طرخان “في مدينة بنغازي عام 1892 حيث تربت وترعرعت في ظل أسرة محافظة .. سافرت في بعثة دراسية تحصلت عليها من قبل الحكومة التركية آنذاك قبيل الغزو الايطالي اي قبيل العام 1911م إلى اسطنبول  لمدة خمس سنوات للدراسة في معهد المعلمات هناك، حيث تحصلت علي دبلوم المعلمات بتفوق بعد أن نالت الشهادة الراشدية ” التعليم المتوسط ” بتفوق أيضا ، الأمر الذي دفع بإدارة المعهد الذي درست فيه اختيارها لبعثة دراسية من احدي جامعات فرنسا، إلا أن والدها رفض هذه الفكرة ، كما رفضت تعيين الحكومة التركية لها آنذاك كمعلمة بإحدى المدارس في اسطنبول، وطالبت بالعودة إلى مدينة بنغازي في عام 1915 .حيث جاء الاحتلال الايطالي  بإغلاق المدارس التركية والأجنبية وفتح مدرسة لأبناء الايطاليين… انشآ فيها فيما بعد فصلا للأطفال الليبيين .عادت”الخوجة” إلي ارض الوطن الذي احتل بكامله وانتهكت كرامته وأعلن فيه الليبيون الجهاد ضد الاحتلال ، فما كان عليها إلا أن تعلن الجهاد بطريقتها الخاصة فانطلقت بعزيمتها في تدريس البنات اذ افتتحت سنة 1917 مدرسة في بيتها في بنغازي في شارع خريبيش لتعليمهن مبادئ القراءة والكتابة و تلاوة وحفظ القرآن الكريم وكذلك تعليم الحياكة والتطريز حيث كانت تذهب إلي محلات القماش وتأخذ ما يهملونه امام المحلات من قطع القماش للاستفادة منه ..  وغرست مبادئ وأساليب الحياة ومخالطة الناس والانفتاح الي العالم , وكان من الثقافة عنوان ! ..ويذكر بعض المعمرين الذين عايشوا تلك الفترة أن الإصابات والوفيات من الطاعون الذي أصاب البلاد كانت كبيرة، وقد دفع الفقر والضيق والمرض واستبداد العدو بالسكان ليزيد ترابطهم وعطفهم على بعضهم البعض.وقد ترك المرض أيتاما من البنات والأولاد بدون أسرهم، مما دفع السلطات الحاكمة آنذاك لجمع البنات اليتامى ووضعهن في بيت بشارع الكوافي، وأوكل للآنسة حميدة طرخان بالإشراف عليهن. وتذكر السيدة أمينة بن عامر في كتابها عن السيدة حميدة قيامها بتعليم البنات تطوعاً في بيتها في الأعوام 1917 و 1918م. والأرجح هو قيامها بالإشراف على بيت البنات اليتامى لمشاعرها الفياضة، وتفاعلها مع الناس وإحساسها بمعاناتهم، ففي تلك الظروف الصعبة من وباء يحصد الأرواح وجفاف الذي اتلف المحاصيل ، كان تعليم البنات آخر هم الليبيين، ولكفاءتها وائتمارها بحوافز الضمير الحي وتقديس الواجب، جعلها تشغل مكانة مرموقة في قلوب الناس. مما أهلها فيما بعد للعب دور مؤثر في التعليم بالمدينة.
في سنة 1920  قامت بالتدريس في مدرسة (بن عيسى) ومدرسة البركة وغيرها، كان دورها التعليم التربوي يدق أوصال التلميذات لتزرع ثمار ما حصدته في غربتها علي أمل أن تجني ثمار ما تزرعه في الأفق البعيد رغم الصعوبات والتحديات الكبيرة التي وقفت في وجهها إلي جانب العادات والتقاليد في مجتمع أساسه التعقيد و دعائمه الأمية  ..وفي العام نفسه تزوجت من السيد عبد الجليل العنيزي، وهو ضابط ليبي سابق في الجيش التركي، والذي حملت لقب أسرته حتى وفاتها رغم حرمانها من الإنجاب .وهو الذي قام بتشجيعها لافتتاح أول مدرسة ابتدائية للبنات بناء على طلب السلطات آنذاك من قريب زوجها السيد عثمان العنيزي في زمن باتت فيه مفاهيم  الرجل الليبي للمرأة هو احتوائها في منزلها خلف الجدران ..
“والسيدة حميدة في تلك المرحلة الصعبة في مقابلة معها بإحدى المجلات تقول: كان مجرد إقدامي على العمل وقتذاك هو في حد ذاته نضال، إذ واجهتني صعوبات وصعوبات، منها التقاليد، والاستعمار، وقد حوكمت من أجل هذه الرسالة بتهمة أنني اعلم البنات في بيتي. ومن هنا يظهر مدى الكبت والضغط والظلم الذي كنا نعانيه من المستعمر. تصوري أن التعليم لوطن كان يعتبر في نظرهم جريمة يحاكم عليها “
واحتوى برنامج الدراسة على مدة خمس سنوات، ففي السنة الأولى كانت ذات طبيعة إعدادية، وباقي السنوات عادية، متضمنة مواد دراسية كالآتي: القرآن والدين والأخلاق، اللغة العربية واللغة الايطالية والحساب، دراسات عامة مثل التاريخ والجغرافيا والاقتصاد المنزلي والصحة والتدبير وأن تدريس هذا البرنامج قد أنيط بأثـنتين من المدرسات العربيات الجيدات حميدة العنيزي، والسيدة بديعة فليفله. ووصل عدد التلميذات بهذه المدرسة لحوالي 48 تلميذة. ولأن السلطات الايطالية في ذلك الوقت لم يكن في نيتها التخلي عن هدفها المفضل في التغلغل الثقافي وسط المجتمع الليبي، لذا لم تكن عملية التعليم بالعملية السهلة وقتها بالنسبة للسيدة حميدة، فالمدرسات الايطاليات كن يتربصن بها خوفاً من مواقفها القوية، فإخلاصها دفعها للتركيز على تدريس اللغة العربية، بل وتهريب كتاب المطالعة الرشيدة الذي يأتي من مصر لتطالعه التلميذات في بيوتهن.
لعل أبرز من تخرج من مدرستها في تلك الفترة كانت الآنسة خديجة الجهمي عام 1936م مع مجموعة بنات كن النواة لتأسيس نهضة تعليمية نسائية، فإنخرط أغلبهن في مجال التدريس فيما بعد، منهن السيدة حميدة بن عامر، والسيدة فاطمة بن غلبون، والسيدة فريحة طرخان، والسيدة نورية الأزرق. كما كان من المتخرجات من المدرسة نواة أولى لممرضات ليبيات ومن بينهن إبنتي أخيها..
كما ساهمت في تأسيس أول حركة المرشدات عام 1960 ومعهد للمعلمات وفصلين لمحو الأمية للفتيات، كما أسست “جمعية النهضة النسائية” الخيرية العام 1954، والتي كانت تهدف إلى النهوض بالمرأة وتحررها من أشواك والعادات المتخلفة. عملت مع زميلاتها الليبيات والعربيات في المدينة لإقامة الأنشطة الخيرية والمساهمة في الأعمال التطوعية، لمساعدة الأسر الفقيرة ورعاية الأطفال وجمع التبرعات للمرضى والمحتاجين ، وساهمت في إصدار مجلة (رسالة الجمعية ) سنة 1963 و تكوين مدرسة ليلية و الإشراف عليها لتعليم النساء بمساعدة  زميلاتها الرائدات: بديعة سرور، وجميلة الإزمرلي، ثم خديجة الجهمي وغيرهن من الرائدات اللاتي تحمًلن مشقة التأسيس لنهضة نسائية ليبية.

في العدد الصادر من مجلة البيت في فبراير 1936 وكانت المشرفة على تحرير صفحة (الجنس اللطيف) تكتب مقالاً عنوانه (إلى بناتي الليبيات العزيزات)، وتقول في إحدى فقراته:
(هذا صوت كاد يخنقني من مدة بعيدة أردت أن أزعق به ولكن السكوت القائم حولي كان يمنعني من رفع الصوت، المرأة هي الشطر الأهم في إنتاج الذرية، فينبغي أن تكون معلوماتها أكثر من الشطر الآخر فهي قوام الهيئة الاجتماعية وعماد تقدم الأمم، وبكلمة واحدة هي أول وآخر مربي للإنسان، بهذه الاعتبارات يجب أن ننظر إلى المرأة، بل بهذا التقدير والاعتماد على النفس يجب أن تنظر المرأة إلى نفسها فتعمل لتحقيق ماتتطلبه من الإصلاح والرقي، لذلك أوجه كلمتي اليوم إلى كل بنات ليبيا داعية إياهن للإقبال على دور العلم لتوسيع دائرة معارفهن، فالعلوم والآداب هي الثروة التي لا تنفذ وتبقى أبد الدهر. وأنتم أيها الآباء أناشدكم الله تدبروا في مستقبل بناتكم فلا تكونوا من المتعصبين الذين يحولون دون تعليم بناتهم، فيقضون بحرمانهن من أهم أسباب الحياة في هذا العصر ويحكمون عليهن بالتعاسة والشقاء الأبدي. وأنتن أيتها البنات العزيزات انفضن عنكن غبار الكسل والخمول، واقبلن على دور التعليم، فإلى الأمام أيتها النساء، لنسر إلى جانب الرجال خطوة خطوة.

توفيت السيدة حميدة العنيزي في 12/8/1982،  ودفنت ببنغازي وستبقي خير مثال لخير معلمة ادت رسالتها بكل أمانة و غرست جذور النهضة والرقي في نفوس معلمات المستقبل , رحلت المعلمة دون أن تدرك بأنها معلمة.
تركت ذكراً في بلادِك *** وَالذِكْر بعد الموت عُمَر

رحم الله المربية حميدة الطرخان العنيزي رحمة واسعة، وسلام وتحية إِلَى روحها .

      نشر في صحيفة الكلمة في ذكري وفاتها

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s