في الذكرى الواحدة والثمانون لوفاة السيد احمد الشريف السنوسي

في الذكرى الواحدة والثمانون لوفاة السيد احمد الشريف السنوسي*

صورة

                                                      السيد احمد الشريف الجالس في الصورة

غدا الموافق 10 مارس 2014  تمر ذكرى مرور واحد و ثمانين عاماً على وفاة احد عظماء الإسلام والعرب في القرن العشرين واحد أمراء الجهاد العظام التي كرمت ليبيا باحتضان هذا الرجل الذي سطر للتاريخ نضاله ، فإذا كان النضال جزءاً من التاريخ ..فان للتاريخ أن يفتخر بان يكون جزءاً من احمد الشريف .. فهو المجاهد ، والقائد المقدام ، والعلامة ، والرجل المفكر، والمتبحر في علوم الدنيا والدين .فإذا كان من الوفاء أن نسطر عليكم سيرته في بسطة مبسطة فان من الصعب أن نفي هذا الإمام الجليل المجاهد حقه ، لما له من حق الإكرام والتقدير،وإحقاقا لحقه فيجب التوقف على مراحل جهاده وتقييمه وتثمينه ، وإنما ما لقصدته إلا تذكيراً لجيل انتزعت ذاكرته على مدى عقود وعقود ، فان في سيرته مساحة لا يستطيع هذا المقال استيعابها .
فالسيد احمد الشريف هو حفيد الإمام محمد بن علي السنوسي مؤسس الحركة السنوسية . ولد السيد احمد في الجغبوب عام 1873 وتلقى تعليمه في زاويتها على يد كبار أساتذة الإخوان السنوسيين وفي مقدمتهم العالم الكبير احمد الريفي .وقد رافق عمه السيد محمد المهدي السنوسي في جميع تنقلاته وأسفاره وتولى بعد وفاة عمه سنة 1902 وخلفاً له إدارة شؤون الدعوة السنوسية ،وكان يبلغ آنذاك الثالثة عشرة من عمره . و عندها واصل حربه ضد القوات الفرنسية في تشاد والعمل في نفس الوقت على نشر الدعوة الإسلامية بكل حكمة في أفريقيا متخذاً من الكفرة عاصمة للحركة السنوسية . وفي عام 1911 شرع في تنظيم المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي ونسق في ذلك مع كل القيادات الوطنية في ليبيا حيث جمع السيد احمد الشيوخ والعلماء والقادة ، وشاورهم في الأمر وكانت كلمته التي قالها حاسمة ” والله نحاربهم ، ولو كنت وحدي وبعصاتي هذه” . استطاع أن ينظم مقاومة بطولية على مر الأيام استمرت عشرين عاماً كاملة ضد القوتين الانجليزية ، ومن بعدها الإيطالية واللتين لا وجه للمقارنة بينهما وبين قواته من حيث العدد والعدة والعتاد. وقد بدأها خلال الحرب العالمية الأولى حيث واجه القوات الانجليزية عند الحدود الشرقية لليبيا عقب هجوم القائد التركي ( نوري باشا ) على حامية السلوم عام 1915 وخاض مع الليبيين ومجموعات من قبائل أولاد علي وبعض الضباط المصريين معارك عنيفة في العقاقير ووادي ماجد وابيار بوتونس إلى أن وصلوا إلى مشارف الإسكندرية ، ولكنهم لم ينتصروا لنقص في التموين والذخيرة إلى أن اضطروا إلى الانسحاب من مصر عائدين إلى الجغبوب . وهنا أريد الإشارة إلى أن مصطفى كمالاتاتورك بدا حياته العسكرية في ليبيا حيث كان احد حراس السيد احمد الشريف ، وكان يرافقه في تنقلاته لارتباطه بعلاقات متينة به …فلما اشتعلت الثورة العربية عام 1916طلبت الدولة العثمانية من السيد احمد الشريف ، أن يتوسط بينها وبين شريف مكة للتنازل عن الانفصال وإخماد الثورة ، فرحب بهذه الوساطة لعله يجد فرصة لإقناع الدولة العلية بمد يد العون للمجاهدين في ليبيا من جديد. فسلم السيد احمد عهدة قيادة الطريقة إلى ابن عمه السيد إدريس السنوسي، ثم غادر ليبيا ومعه كبار معاونيه وقادته ، منهم محمد صالح حرب،
وصالح أبو عرقوب البرعصي ، على متن غواصة ألمانية إلى إسطنبول عام 1918 . وفي إسطنبول انشطر قلب السيد احمد إلى شطرين ..شطر في وطنه يحمل فيه هماً على الوطن المحتل ، والشطر الآخر على العالم الإسلامي الذي تكالبت عليه دول الغرب . وقد أقام في تركيا حتى تمكن كمال أتاتورك من الاستيلاء على مقاليد الحكم في دولة الخلافة التي تقاسمها ثلاثةً زعماء . فما كان من السيد احمد إلا أن اتخذ موقفاً محايداً من الزعماء الثلاثة مما تسبب في تأجيج الخلاف مع أتاتورك الذي قام بطرده شر طردة  فاتجه بعد أن طرد من إسطنبول إلى الشام المحتلة من قبل فرنسا . أما الفرنسيون فلم يغفلوا عن مواقفه في التصدي لهم في أواسط أفريقيا وجنوب ليبيا والجزائر ، فأجبروه على الرحيل إلى منفاه الأخير في الحجاز.وهناك أنجز اتفاقية عسير بين الملك عبد العزيز ال سعود وأمام اليمن يحي حميد الدين . وبقي في المدينة المنورة إلى أن وافته المنية وكان ذلك يوم الجمعة 10 مارس 1933 .وللسيد احمد الكثير من المؤلفات منها ( بغية المساعد في أحكام المجاهد ) و ( الدر الفريد الوهاج في الرحلة من الجغبوب إلى التاج ) و ( الشموس النورانية ) و ( الكوكب الزاهر ) و ( المواهب  المكية المصطفية ) .
وكان احمد الشريف وسيظل رمزاً من رموز الجهاد والنضال الوطني لتضحياته في سبيل عزة وكرامة هذا الوطن .
وأخيراً ختم الأمير شكيب ارسلان كتابه عن المجاهد احمد الشريف بهذا الدعاء :
“اللهم  انه كان من اجل العارفين بك ، وأبر القائمين بأوامرك ونواهيك ، وأشد المحبين لعيالك خلق الله ، وأصلب المتمسكين
بكلمتك الحق ، وانه كان القدوة المثلى بين خلائقك ، والحجة الوثقى بحقائقك ، والرجل الذي أدى إلى آخر نفس من أنفاسه
جميع الواجب عليه لدينه ولقومه وناسه ، وللإنسانية التي كان لها مثالاً، فاعل درجته يا رب في جوار قدسك ، ونور وحشة
قبره بأنسك ”  أمين

صورة

صورة للسيد كمال اتاتورك بالزي الليبي عندما كان يحارب مع السيد احمد الشريف في درنة وفقد عينه اليسري في احدي المعارك

(*) نشر في صحيفة الكلمة الصادرة في مدينة بنغازي مارس 2013

Advertisements