من ذاكرة الوطن في ذكري وفاة وهبي البوري ( 1916-2010)

من ذاكرة الوطن
في ذكري وفاة وهبي البوري ( 1916-2010)

صورة
السابع من يونيو 2014 تمر اربع سنوات علي رحيل ابن ليبيا واحد اعيان مدينة بنغازي و كبار وزراء المملكة الدكتور وهبي البوري؛ ففي شخصية هذا الرجل أكثر من جانب فهو المناضل و المعلم والدبلوماسي والوزير والصحفي والإعلامي والقاص فالمؤرخ , فهو احد رجالات الدولة الليبية الذي ساهم في بنائها هو و أصدقائه الذين كانوا له خير سند,و مؤسس  الدبلوماسية الليبية وأول من ادخل الكلمات المتقاطعة في الصحف الليبية ( مجلة ليبيا المصورة) وأول من كتب تحقيق صحفي في شهر رمضان  1934 وأول من كتب قصة القصيرة المتكاملة فنيا في مجلة ليبيا المصورة 1936. و يطول الحديث عن الراحل حيث تعجز عن إدراكه المساحات و الفضاءات علي مدي اتساعها . سأغامر قليلا  وسأسرد بعض من تاريخ هذا الرجل المناضل الوفي.
ولد وهبي البوري في الإسكندرية عام 1916م، بعد أن هاجرت أسرته من بنغازي في عام 1913م؛ بسبب الاحتلال الإيطالي،ثم عاد اليها مع أسرته عام 1920م،فالتحق البوري بمدرسة الفنون و الصنائع و التي درس فيها حتى الفصل الثالث الإعدادي. و بما أنهُ لم يكن هناك مدارس أعلى من هذا المستوي. اضطر والده إلى إرساله إلى الإسكندرية ليقيم عند جده لوالدته، و قد التحق بالمدرسة الإيطالية و درس فيها حتى عام 1931م،بعدها عاد في الإجازة الصيفية إلى بنغازي، فوجد البلاد مضطربة بسبب الحرب بين الحكومة الإيطالية و عمر المختار، و عندها طلب الإذن للعودة إلى دراسته في الإسكندرية فمنعته السلطات الإيطالية من السفر. و بقي في بنغازي فترة ثم تحصل على وظيفة في إدارة الأملاك في بنغازي، حيثُ عمل فيها قُرابة العامين، ثم عين في متصرفية اجدابيا كمترجم، و قد بقي فيها عاماً ثم عاد إلى بنغازي، حيث عين في دائرة الأشغال و قد عمل في هذه الدائرة حتى عام 1939م، ثم عرض عليه منصب مدرس لغة عربية في المدرسة الإيطالية في طنجة. فسافرا ليها و استلم عمله فيها،  يقول ” قد اكتسبتُ فيها أصدقاء من المغاربة، و أصدقاء بين المدرسين الإيطاليين زملائي، و كنتُ سعيداً بعملي إلا أن الحرب كانت قائمة بين ألمانيا و النمسا من جهة، و فرنسا  وبريطانيا من جهة أخرى، وظلت إيطاليا على الحياد”. و في يوم 10 يونيو عام 1940م أعلن موسوليني الحرب على بريطانيا و فرنسا،يقول البوري” و قد اضطررنا إلى مغادرة طنجة و العودة إلى إيطاليا. إلا أن الباخرة التي أقلتنا أوقفتها السفن الحربية البريطانية أمام جبل طارق، و طلبت منها الدخول إلى الميناء، و بعد ساعة تقريباً صعد إلى الباخرة كولونيل إنجليزي، و جمع الركاب و تحدث إليهم، و قال إن الرجال نعتبرهم أسرى و النساء سنجد حلاً لهُن، و قد تألمتُ كثيراً؛ لأنهم سيأخذونني أسيراً مع الإيطاليين، و أنا يعلم الله لا صلة لي بهم، و في آخر الليل شعرنا أن الباخرة تحركت، و خرجت من ميناء جبل طارق، ثم دارت و دخلت المياه الإقليمية الأسبانية، و وفقاً للقانون الدولي فالباخرة أمامها 24 ساعة إما تسليم نفسها للسلطات المحلية الأسبانية، أو مغادرة المياه الإقليمية الإسبانية، و ظللنا فوق الباخرة لا نعرف مصيرنا، إلا عندما هبط الظلام و أخبرونا بأن الباخرة ستغادر المياه الإقليمية الإسبانية، و طلبوا منا عدم إشعال النار أو أي ضوء، و خرجت الباخرة، و سارت بسرعة، و كانت سرعتها تفوقُ سرعة الطرادات الحربية التي كان من المفروض أن تلحق بها، و في الصباح و صلنا ميناء (كلياري) في جزيرة سردينيا، إلا أن الطائرات البريطانية لحقت بالباخرة، و ألقت عليه قنابل لم تُصبها” هذه احدى مغامرات الراحل التي كان يرويها لنا. ثم سافر إلى روما ، فالتحق بوزارة الخارجية الايطالية ، التي حولته للعمل في وزارة الثقافة الإيطالية، يقول الراحل “قد وجدتُ عدداً كبيراً من الليبيين يعملون في القسم العربي بالوزارة و من بينهم شمس الدين عرابي، و عبد الرحمن بو نخيلة، و راسم قدري و سليمان الجربي، و مصطفى الشركسي، و محمود إنديشه. و قد عملتُ معهم في الإذاعة العربية الموجهة للبلاد العربية، و كنتُ أقومُ بالترجمة و بالتحرير. و كنا نتابع الكر و الفر بين القوات المتحاربة في ليبيا، و نشفق على أهلنا و ذوينا من ويلات الحرب المحيطة بهم.” و خلال إقامته في روما تعرف على مفتي فلسطين أمين الحسيني و أعوانه، و رشيد عالي الكيلاني رئيس وزراء العراق و الذي فر من الاحتلال الإنجليزي، و تعرف على الفلسطينيين  الذين تعاون معهم في تسيير محطة إذاعة التي أقاموها في روما، و في إحدى التعليقات التي أذاعتها هذه المحطة،  يقول البوري ” طالبت باستقلال البلاد العربية و ليبيا من بينهم. و ثارت ثائرة الإيطاليين لهذا التعليق، فعرفوا أني فاعلهُ، فقرروا اعتقالي، و إبعادي عن روما، إلا أنني اتصلت بالمفتي و أخبرتهُ بالأمر، فطلب مني السفر معهم إلي ألمانيا”. و من هنا نقتبس الروح الوطنية والغيرة علي وطننا الحبيب , وقد و صل ألمانيا و شرع في العمل مع مفتي فلسطين الذي أرسله مع ابن عمه سليم الحسيني و آخرين إلى بلغراد؛ لفتح محطة عربية موجهة إلى البلاد العربية، و في بلغراد أقاموا فيها ستة أشهر ثم فوجئوا بأن الروس قد احتلوا بلغاريا و في طريقهم إلى يوغسلافيا، يقول البوري ” غادرنا بسرعة المدينة التي كنا نقيم فيها،  و قصدنا السفر إلى فينا، و قد فاجأتنا غارة جوية على المدينة التي كنا فيها (برلين) التي كانت تحترق و تنهار مبانيها. و التقينا بالمفتي فطلب مني أن اخذ بعض الأخوان، و نسافر إلى إيطاليا بينما هو قرر السفر إلى جنوب النمسا، و في إيطاليا لم نلبث إلا قليلاً حتى جاء الاحتلال الأمريكي؛ فقررنا السفر إلى روما، و بقيتُ في روما مدة عام لا استطيع مغادرتها لأنهُ يجب أن أحصل على تأشيرة الخروج من سلطات الحلفاء الذين كانوا يبحثون عني في روما، لأني عملت مع المفتي.” واثناء تواجده في روما عمل كمراسل لجامعة الدول العربية, وعندها يبدأ الراحل في سرد مغامرة جديدة فيقول” أخيراً قررتُ السفر بصورة غير شرعية فوجدتُ من يساعدني في ركوب باخرة كانت متجهة إلى بور سعيد ، و عندما و صلت الباخرة إلى ميناء بور سعيد إليها ضباط الجوازات، فاتصلت بهم و حدثتهم بأني لاجئ سياسي، و لدي رسائل من عزام باشا و من السفارة المصرية في باريس تطلب مني جواز سفري ؛ لمنحي تأشيرة الدخول إلى مصر، فقالوا لي حسناً سننظر في الأمر، و عندما ذهبوا، لحقتُ بهم ؛ للاستفسار عن وضعي فوجدت شرطيان أمسكا بي و قالا لي إنك ممنوع من النزول، فغضبت أشد الغضب لكن ما الفائدة، و سخر الله لي شاب كان يبيع العملة فسألني فشركت له وضع فقال هل يستطيع أن يقدم لي خدمة فقلتُ له أكتب إليك برقية ترسلها إلى عزام باشا، فأخذ مني البرقية و لم يأخذ ثمن إرسالها، و ظللت على الباخرة حتى المساء و عندما عاد الركاب، و بدأت الباخرة تستعد للسفر،و كانت وجهتها مومبازا بكينيا التي يحكمها الإنجليز، و معني ذلك أني هربتُ من روما من الإنجليز و سأقع بأيديهم بعد المغامرة الطويلة التي قمتُ بها، و أخيراً رأيتُ قارباً يقترب من الباخرة، و صعد منهُ ضابط سأل عني، ثم دعاني للنزول إلى بور سعيد، و من بور سعيد سافرتُ إلى القاهرة حيثُ كان المفتي قد سبقني إليها، و قد أعطاني عملاً في الحال.” تطول الذكريات والقصص ويبقي منها العبر
بقي في القاهرة مع النشطاء الليبيين الذين كانوا يُطالبون باستقلال بلادهم. و في عام 1947م عاد إلى بنغازي، و قد عرض عليه الأمير إدريس السنوسي العمل في ديوانهِ فقبل ذلك، و عمل معهُ حتى عام 1953م حتي تقرر فتحُ أول مفوضية ليبية في القاهرة، و اختاروه مستشاراً لها وثم قائما بالأعمال، و في عام 1956م عُين وكيلاً لوزارة الخارجية في طرابلس، و في عام 1957م عُين وزيراً للخارجية، و في عام 1960م عين وزيراً للبترول حيث نجح في إدخال أهم تعديل في علي قانون البترول الذي أعطي للشركات الحق في خصم30 بالمائة من إجمال العائدات السنوية كعلاوة استنزاف حيث نجح في إلغاء هذه الفقرة من قانون البترول مقابل الحصول علي امتيازات جديدة في المستقبل والحمد لله تم انجاز هذا العمل قبل بداية التصدير عام 1961،ثم تولي وزارة الخارجية عام 1961م وفي تغير وزاري اخر تم تعينه وزيرا للعدل ,وبعدها تم تعينه وزيرا للدولة 1962 و في عام 1963م عين كأول مندوب دائم لليبيا بالأمم المتحدة وثم عين سفيرا في واشنطن و في عام 1965م مندوبا في الأمم المتحدة مرة أخري و سفير منتدب في فنزيلا في أن واحد، حيثُ عمل فيها حتى قيام الانقلاب البائس.
 وفي أوائل 1969 قام بتأسيس المركز الإسلامي بنيورك الأول مرة  في الولايات المتحدة و ترآس مجلس ادراته و في أواخر 1970م عاد إلي ليبيا. و في عام 1979م عين بمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول في الكويت كمستشارٍ للشئون الدولية . و بقي يعمل في الكويت حتى عام 1986م، ثم عاد إلي ليبيا، و اهتم بالكتابة فكتب مقالات عديدة للصحف و المجلات الليبية و العربية، و عمل على تأليف بعض الكتب و هي (البترول و العلاقات العربية الأفريقية) و (بنك روما و التمهيد للغزو الإيطالي) و (و بنغازي في فترة الاستعمار الإيطالي) و (مجتمع بنغازي في النصف الأول من القرن العشرين)،  وأخر كتاب لفقيدنا حيث قام بإنهائه بساعات قليلة قبل دخوله لغرفة العناية ( عمر المختار و غرازياني أو حرب الواحد و العشرين شهراً). وأيضا قام بترجمة بعض الكتب عن الإيطالية. حقاً، لقد عاش الدّكتور وهبي البوري رجلاً، ومضى رجلاً.. وهو تاريخ في رجل، ساهم في مجالات عدة وترك بصماته في كل مكان عمل به. 
كان رحمه الله يمتلك ذاكرة حديديّة ويفتح بيته إلى كلّ باحث جاد يعمل من أجل إظهار الحقي وإنصاف الرِّجال الذين قدموا للِيبيَـا كل ما أستأمنه الله عندهم.
ولم يكن البوري ليبياً فحسب بل كان قلبه ينبض بحُب لِيبَيا والدعاء لها.. ولم يسكن بنغازي ككثيرين سكنوها إِنما بنغازي سكنته. و عاش فقيدنا مهموما بقضايا الوطن ومتحسراً على ما جره انقلاب سبتمبر 1969 من كوارث ونكبات عليه حيث أوقف أولئك الانقلابيون مسيرة بناء عظيمة أسس لها رجال مخلصون من بناة دولة ليبيا الحديثة. وعاش على أمل مثل الكثيرين من محِبي الوطن ورافضي النفاق ومجتنبي الحرام أن يخرج وطننا من محنته الجاثمة على صدره منذ أربعين عاماً، فشاءت الأقدار ألا يحيا لحظة الانفراج التي انتظرها طويلا لكنه ترك في نفوسنا أملا راسخا متجَدر بعودة زمن العدل والحرِية والمساواة مهما طال الوقت أو قصر. كتب مذكراته في كتاب عنونه ” ذكريات حياتي ” سطر فيها ابرز مراحل ليبيا السياسية و ما وجهته من صعوبات لقيام دولة اسمها ليبيا ، لعبرة للاجيال القادمة !
وسيبقي وهبي البوري رمزا للوطنية والوفاء لليبيا ولكل الليبيين و ستبقي مساهماته في بناء دولة لِيبَيا الحديثة ومواقفه وكتاباته خالدة بأذهاننا عبر الأجيال المقبلة. رحم الله الدّكتور وهبي أحمَد البوري رحمة واسعة.

 

صورة

استقبال وهبي البوري في غانا للمشاركة في مؤتمر الدول الافريقية المستقلة

صورة
رئاسته للجمعية العامة للامم المتحدة 1968

 

  نشر في صحيفة اخبار بنغازي في العدد الصادر2299 -6-7-2011

منعطف تاريخي في تاريخ ليبيا .. قادها الي الاستقلال ..

منعطف تاريخي في تاريخ ليبيا .. قادها الي الاستقلال ..
 
فغدا هو ذكري استقلال امارة برقة الذكري الخامسة والستون ( 1-يونيو – 1949 ) كانت الظروف حينها صعبة و ليبيا في طريقها نحو المجهول .. ولكن بحكمة رجال ورجاحة عقولهم كان يعلموا ان في الاستقلال خطوة اولي لاستقلال التام .. ففي تمام الساعة السابعة من مساء يوم الأربعاء شعبان 1328 الموافق من الأول من يونيو 1949 وقف إدريس السنوسي وأعضاء المؤتمر الوطني البرقاوي وجموع الشعب البرقاوي وقفة تاريخية بحضور رجال الإدارة البريطانية ورئيس الإدارة البريطانية في قصر المنارة بأعلن إدريس استقلال برقة التام ورد رئيس الإدارة البريطانية بالاعتراف بحكومة برقة وباستقلال برقة اصبحت امارة برقة الدولة العربية الثامنة من الدول العربية المستقلة …. اما قصة علم برقة و هي راية الجهاد والتضحية والعزة والمجد في أواخر سنة 1915 حدث أن عاد السيد إدريس السنوسي من رحلة الحج وكان قد تلقى جزء من كسوة الكعبة المشرفة كهدية في رحلته ، شقه إلى نصفين اتخذ من نصف راية شخصية له والأخرى راية للجهاد أساوتا بالراية السوداء ( العقاب) راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيف لها بعد ذلك الهلال والنجمة ” فقاد شيخ الشهداء عمر المختار العمليات العسكرية فى برقة تحت هذه الراية وكذلك راية الجيش السنوسي القوة العربية الليبية الذي شارك مع الحلفاء في تحرير ليبيا من المستعمر الإيطالي في الحرب العالمية الثانية . وأصبحت راية استقلال برقة سنة 1949.وعند تشكيل دولة ليبيا ومنحت ليبيا الاستقلال بموجب القرار 289 الصادر عن الجمعية العامة لاستقلال ليبيا في موعد اقصاه يناير 1952 شكلت لجنة 21 التي بدورها شكلت لجنة الستين ..لكتابة الدستور خلال ستة اشهر فقط .. وفي يوم 4 ديسميبر 1951 بعد ان اجري الملك ادريس رحمة الله عليه مسابقة لتصميم العلم – فكان من بين المصممين المرحوم عمر فائق شنيب و هو من فاز بافضل تصميم الذي استمده من ابيات قصيدة الشاعر العراقي صفي الدين الحلي (سلي الرماح العوالي عن معالينا ) ” بيض صنائعنا، سود وقائعنا،،خضر مرابعنا، حمر مواضينا.. ثم اتفق عليه كعلم الاستقلال الذي وضع في الدستور ونص عنه في مادته السابعة.

 

صورة

الامير ادريس و خلفه راية الجهاد

 

صورة

 

الامير ادريس يستمع الي كلمة الادارة الانجليزية و جواره عمر باشا الكيخيا

 

 

صورةصورةصورة

الامير الادريس يستقبل عمر باشا الكيخيا في قصر المنار في مدينة بنغازي