جوزيف ويشبيرغ : رسالة من ليبيا

هذا المقال منشور على مجلة النيويوركر (The New Yorker), بتاريخ 10 نوفمبر 1951

ليبيا، مستعمرة موسليني السابقة التي كان يتباهى بها في أفريقيا، وبلدٌ يفوق تقريباً مساحة ولاية تكساس ثلاث مرات، قد يُسجل التاريخ أنه موقع أول مجهود ناجح للأمم المتحدة لإقامة دولة فيدرالية مستقلة جديدة. ولكن من ناحيةٍ أخرى، إذا لم تجرِ الأمور كما هو مُخطط، قد يكون أعظم سبب لشهرة ليبيا هو كونها أصبحت أحد أكبر الكيانات المتعثرة في الطريق الوعر للأمم المتحدة. الناس هنا، ممن يتوقعون النتيجة الثانية، يقولون بأن ليبيا على وشك أن تصبح تجسيداً آخراً لواقع أنه في العلاقات الدولية، كما في أي شيءٍ آخر، النيات الطيبة وحدها لا تكفي، ويقرون بوجود تقاربٍ غير مُطمّئن بين الوضع هنا وبين الأوضاع التي تم استعجالها في فرساي منذ بضعٌ وثلاثين سنةٍ ماضية، ومنذ فترةٍ أقرب في يالطا وبوتسدام [1].

ليبيا تتكون من ثلاثة أقاليم – برقة، طرابلس، وفزان. الصحارى الشاسعة تُشكِّل حدوداً بينها. مواطنو برقة الثلاثمئة ألف لديهم قدر محدود من الحكم الذاتي تحت قيادة أميرهم، الذي لديه مستشارٌ بريطاني [2]. طرابلس، بعدد سكان يصل إلى ثمانمئة ألف، هي إلى الآن أكثر المناطق المأهولة سكانياً في ليبيا وتتم إدارتها من قبل البريطانيين، الذين يمنحونها هي أيضاً قدراً من الحكم الذاتي. فزان، صحراءٌ كبيرة حجمها تقريباً ثلاثة أرباع حجم فرنسا ويسكنها عدد يُقدَّر بخمسين ألف شخص، هي تحت الإدارة العسكرية الفرنسية.

تاريخ ليبيا ما بعد الحرب يمنحنا مثالاً بارزاً على طبيعة الغنائم التي تؤول إلى المنتصرين في هذه الأيام. فبعد أن توقف القتال طُرح سؤال ما الذي يجب فعله بمستعمرات إيطاليا السابقة لأول مرة في مجلس وزراء خارجية الأربعة الكبار [3]. مجهودات أولئك السادة في التوصل إلى اتفاق تم تعطيلها حين طالب الاتحاد السوفييتي بالوصاية على طرابلس – من المحتمل، كما قيل حينها، أن يكون السبب هو رغبة الاتحاد السوفييتي في استخدام المنطقة كقاعدة انطلاق لعمليات بروباجاندا داخل العالم الإسلامي. وقد نشأت تعقيداتٌ أخرى، وكما يحدث كثيراً في جمودٍ ومراوحةٍ دوليٍّةٍ من هذا النوع، فقد أُرسلت أخيراً لجنة لأجل “التحقيق في الأوضاع المحلية”. اللجنة بدورها وصلت حالةً من الجمود، وبتاريخ 15 سبتمبر 1948، الشأن الليبي، بالإضافة إلى شأن مستعمرات إيطاليا السابقة الأخرى، تم رفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. الكونت سفورزا والراحل إرنست بيفن [4] اجتمعا بعد ذلك واقترحا إقامة فترة وصاية على ليبيا مدتها عشر سنوات، جاعلين إيطاليا مسؤولةً عن طرابلس، بريطانيا عن برقة، وفرنسا عن فزان. السوفييت، كما هو حالهم دائماً، قدَّموا مقترحاً أكثر تطرفاً: لماذا لا تنسحب كل القوات من الأقاليم المتنازع عليها وتُمنح ليبيا استقلالاً فورياً – أو كما قرأ المقترح كثيرون ممن لديهم معرفة بالمشكلة: فوضى فورية؟

بعد العديد من المقترحات والمقترحات المضادة من قبل عدد من لجان الأمم المتحدة، قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في اجتماعها الخامس عشر بعد المائتين في 21 نوفمبر 1949 بإصدار قرار صرَّحت فيه بأن ليبيا يجب أن تكون “دولة مستقلة وذات سيادة… في أسرع فرصة ممكنة وقبل تاريخ 1 يناير 1952، وبأن يتم وضع دستور ليبيا، بما في ذلك تحديد نظام الحكم، من قبل ممثلين عن سكان برقة، وطرابلس، وفزان، والذين سيجتمعون ويتشاورون معاً في جمعيةٍ وطنية”. وبما يتوافق مع مادة أخرى من قرار الأمم المتحدة، تم تشكيل إدارة انتقالية، تتكون من حكومة محلية مؤقتة [5] يُشرف عليها مبعوث الأمم المتحدة – وهو أدريان بيلت من هولندا، مساعد سابق للأمين العام للأمم المتحدة – والذي “ستوجهه نصائح” مجلس الأمم المتحدة بخصوص ليبيا. وفي عضوية هذا المجلس نجد ممثلين عن مصر، فرنسا، إيطاليا، بريطانيا، باكستان، والولايات المتحدة، وأربعة أعضاء من ليبيا يمثلون، كلٌّ على حدة، برقة وطرابلس وفزان والأقليات [6]. في طرابلس، سمعتُ بعضاً من نقاد خطة الجمعية العامة للأمم المتحدة لمنح ليبيا استقلالها يُعبِّرون عن اعتقادهم بأنه، بالرغم من نُبل الخطة من حيث المبدأ، إلا أنها قد وُضعت في عجالة وبقليل من الاعتبارات للواقع لدرجة أنها من الممكن أن تكون بخطورة القنبلة الموقوتة، وهم لا يثقون في أن الأعضاء الذين صوتوا على مستقبل هذه البلاد كانت لديهم أفكار دقيقة حول المسائل المتعلقة بها. وبالرغم من ذلك، فإن ليبيا تم انتقاؤها لتقع عليها التجربة. فمن بين مستعمرتي إيطاليا السابقتين الأخريين، الصومال تم وضعها تحت وصاية إيطالية لمدى عشر سنوات، وأما قضية إيرتريا فقد تم تأجيلها [7].

يقول المشككون بأن مراعاة الواقع هي للأسف بنفس أهمية نُبل المبدأ. ليبيا لديها شعبٌ عربي يصل تعداده إلى مليون وخمسة وثمانين ألفاً (كل الأقليات مجتمعة تُشكل فقط ما تعداده خمسة وستين ألفاً)، ومن هذا الرقم، فقط ستة عشر – نعم، ستة عشر – اجتازوا مرحلة التعليم الجامعي. هؤلاء الستة عشر من المتوقع أن يرتقوا عالياً في إدارة المستقبل، وفي الواقع فإن العديد منهم حالياً أعضاء في الحكومة المؤقتة. تقريباً ربع مليون ليبي يستطيعون كتابة أسمائهم، ولكن يُعتقد أن ستين ألفاً منهم لا أكثر متعلمون بما يكفي لتجاوز هذه المرحلة. أكثر من ثلاثة أرباع مليون ليبياً، إذا قُدم لهم مستند لتوقيعه، يستخدمون بصمة إبهامهم. من بين كل الدول المتخلفة في شمال أفريقيا، فإن ليبيا هي الأكثر تخلفاً. لا يوجد أطباء ليبييون، ممرضات، مهندسون، مسَّاحون، ولا تقنيون، وبالكاد يوجد عشرون مدرساً ليبياً مؤهَّلاً. أعلى راتب يومي للعمال المهرة هو دولار واحد، ولغير المهرة خمسون سنتاً. معدل الدخل القومي بالنسبة للفرد هو خمسةً وثلاثون دولاراً في السنة. في كل ليبيا يوجد مائتان وأربعون ميلاً من السكك الحديدية – فقط ما يكفي لخط باتجاه واحد بين نيويورك وواشنطن. والبلاد لا تمتلك سوى قطاراً واحداً بمحركٍ بخاري، واثنين بمحرك ديزل، وبعض عربات الشحن اليدوية. لا توجد مرافق للاتصال بالهاتف، التلغراف، أو الراديو بين طرابلس، أكبر مدن ليبيا، وكل فزان في الجنوب الغربي. للذهاب من إحداهما إلى الأخرى تستغرق الرحلة خمسة أيام من القيادة الوعرة في سيارة جيب، إلا إن تمكن المسافر من الحصول على طائرة صغيرة بما فيه الكفاية للنزول في مهبط ترابي قصير. ومنذ فترةٍ ليست بعيدة، حين أراد أعضاء الحكومة الليبية المؤقتة المجتمعون في طرابلس السفر إلى مدينة بنغازي البرقاوية، على بعد 400 ميل إلى الشرق، اضطروا إلى استعارة طائرة C-47 من الأمم المتحدة. ليبيا لا تنتج نفطاً، ولا معادن، ولا فحماً، ولا تمتلك تقريباً أي صناعة. السنة الماضية 25 طناً من عشب إسبارتو [8]، المستخدم في صناعة الورق الفاخر، شكَّلت 10% من إجمالي صادرات البلاد. عائدات الحكومة من الضرائب لا تكفي لتغطية مصروفاتها. هنالك عملة مختلفة في كلٍّ من الأقاليم: الجنيه المصري في برقة، الفرنك الجزائري في فزان، وليرة الإدارة العسكرية – عملة يصدرها الجيش البريطاني – في طرابلس. لا أحد يعرف بالتحديد كيف سيتم تأسيس مستقبل عملة ليبيا، ولكن يبدو أن هنالك إمكانية لأن يقوم البريطانيون بدعم نسبة كبيرة منها بالجنيه الإسترليني.

نقص المرافق التعليمية في ليبيا ليس شيئاً جديداً. إلى سنة 1912 كانت البلاد تحت حكم سلطان تركيا، الذي لم يكن لديه اهتمام بالمدارس. ثم جاء الإيطاليون. وعلى عكس البريطانيين، الذي يمكن القول بأنهم كانوا يستعمرون لمصلحة تجارهم الأغنياء، فيمكن القول بأن الإيطاليون كانوا يستعمرون لمصلحة المهاجرين الإيطاليين الفقراء. أقامت إيطاليا ما يكفي من المدارس في ليبيا لاستيعاب أبناء الإيطاليين الذين هاجروا إليها – إلى اليوم مازالت الحكومة الإيطالية تُموِّل كل المدارس الثانوية الإيطالية في طرابلس – ولكن لا شيء تقريباً تم تقديمه للعرب، الذين يُشكِّلون أكثر من 90% من السكان.

غالبية العرب، وقد حُرموا من فرصة ارتياد المدرسة، يعيشون في جهلٍ مُدقِع. معرفتهم قليلة، واهتمامهم أقل، بالاستقلال السياسي وما يعنيه. لم يسمعوا أبداً باسم ترومان أو ستالين. وبالنسبة للعدد القليل من العرب نصف المتعلمين، فهم غير واضحين ولكنهم متفائلون عاطفياً بخصوص قضية الاستقلال. ليست لديهم أي فكرة عن كيف سيُديرون بلادهم، ولكنهم يَدَّعون بأنهم سيتمكنون من ذلك بطريقةٍ أو بأخرى. يتحدثون بفخر عن مستشفياتٍ جديدة، وأنظمة ريٍّ جديدة، وطُرقٍ جديدة، ولكنهم لا يعرفون من أين سيأتي المال لهذه الأمور. وهم يُشيرون إلى أن دولة إسرائيل قد تغلبت على أمراض طفولة الاستقلال في أقل من سنتين، متجاهلين واقع أن إسرائيل كانت لديها وفرة من التقنيين من أبنائها وغيرهم من المواطنين المتعلمين الذين ساهموا في تحديد مستقبلها.

قرار الأمم المتحدة بمنح ليبيا استقلالها قد نتجت عنه عواقبٌ عنيفة في شمال أفريقيا الفرنسي – تونس، الجزائر، والمغرب – حيث كان الفرنسيون يُؤكِّدون للعرب منذ سنينٍ عديدة بأنهم ليسوا مستعدين بعد للاستقلال [9]. التونسيون، والجزائريون، والمغاربة ردوا بحجةٍ معاكسة، وهي صحيحة، بأنهم أكثر تطوراً سياسياً، واقتصادياً، وفكرياً من الليبيين. وفي الواقع، فإن فرنسا لم تنضم إلى جوقة الأمم المتحدة السعيدة لتغني معهم نشيد “الحرية لليبيا”. الفرنسيون يلتزمون بموقفٍ عنيدٍ تجاه هذا الحل أكثر من الإنجليز. إنهم مقتنعون بأنهم سيكونون مسؤولين عن الأمن والنظام في فزان حتى بعد تنازلهم عن سلطتهم فيها.

كخطوة أولية تجاه تأسيس جمعية وطنية مؤقتة، قام مبعوث الأمم المتحدة بتاريخ 25 يوليو 1950 بدعوة 21 عربياً بارزاً لتشكيل لجنة – 7 من كلٍّ من برقة وفزان، و6 من طرابلس، بالإضافة إلى واحد يُمثِّل أقليات البلاد، والتي تتركز غالبيتها في طرابلس –  وهي لجنة لمناقشة تكوين الجمعية الوطنية وآلية اختيار أعضائها [10]. وقد قررت اللجنة أن الجميعة يجدر أن تتكون من عشرين عضواً من كل إقليم من الأقاليم الثلاثة، يتم تعيينهم من قبل أعيان هذه الأقاليم. وبعد تكوين الجميعة شرعت في وضع مسوَّدة الدستور والتخطيط لانتخاباتٍ عامة. في ديسمبر الماضي [1950] أصدرت الجمعية قراراً ينص على أن دولة ليبيا المستقبلية ستكون مملكةً فيدرالية تحت حكم السيد محمد إدريس المهدي السنوسي، أمير برقة، القائد الروحي والسياسي لثلاثة ملايين من رجال القبائل السنوسيين [11]، وأقوى شخصيات البلاد.

ومع ذلك، فإن الواقع يقول أنه بالرغم من أن الحكومة الليبية المؤقتة تأسست إلى حدٍّ ما وفق معاييرٍ فيدرالية، وأنها صرَّحت بتفضيلها لحكومة دائمة ذات نظام فيدرالي، إلا أن التساؤل عما إذا كان يجدر بليبيا أن تكون دولةً فيدرالية أو دولةً وحدوية لم يتم التوصل بعد إلى إجابة نهائية له. القرار بخصوص ذلك يبقى، كما حددت الأمم المتحدة، في أيدي الجمعية التأسيسية الليبية، ولكن الضغوط من خارج الجميعة يجب وضعها في الحسبان. فمن داخل مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا، الذي تقع مكاتبه في الفندق الكبير في طرابلس، هنالك خلافٌ شديد في الآراء حول هذه المسألة. أعضاء المجلس من مصر وباكستان يُفضِّلون دولةً وحدوية. ويقولون بأن إقامة دولة ليبية فدرالية من شأنه تقسيم البلاد “مثل كعكة” إلى ثلاثة قطع لمصلحة “القوى الاستعمارية الكبرى”، وهم يريدون أن يعرفوا أيضاً لماذا تحصل فزان مع عدد سكانها القليل على نفس درجة تمثيل طرابلس الأكثر سكاناً في الحكومة الليبية. الأعضاء الأمريكيون، والبريطانيون، والفرنسيون يردون بأن فكرة دولةً ليبية وحدوية هي فكرة عقيمة، فهم يعتقدون بأن فزان وبرقة سترفضان الانضمام. ولذلك يُفضِّلون دولةً فيدرالية تُمنح في البداية “استقلالاً جزئياً” وتنتقل تدريجياً نحو الاستقلال الكامل مع اكتساب عدد أكبر من المواطنين لما يكفي من الخبرات لتولي المهام الحكومية. وكما هو متوقع، فالليبيون أنفسهم – أو بالأحرى القلة منهم التي تهتم بمثل هذه الأمور – منقسمون حول اختيار نظام الحكم. برقة وفزان، خوفاً من تدخل الطرابلسيين في شؤونهم الداخلية في حالة اختيار دولة وحدوية، يدعمون هيكليةً فيدرالية، في طرابلس فإن غالبية العرب المهتمين بالسياسة يعارضون فكرة الفيدرالية.

ملك ليبيا المرتقب هو شيخٌ كبير، ومحترم، وحكيم، والذي يبدو أن طموحه الوحيد هو مساعدة شعبه على عبور طريق الاستقلال الوعرة، والأمريكيون والبريطانيون هنا يأملون أن يتمكن من جمع أتباعه حوله وأن يغرس فيهم مبادئ المسؤولية الوطنية. الأمير لديه الكثير من الأتباع الدينيين ولكن لديه أيضاً الكثير من الخصوم السياسيين، والذين ينتقدونه بسبب بقائه في مصر وعدم مشاركته في الحرب الأخيرة، وأيضاً على تأييده لبقاء القوات البريطانية والفرنسية في ليبيا [12]. هذه القوات تتكون اليوم من كتائب الفيلق الأجنبي الفرنسي، في فزان، وفرقة المشاة الأولى البريطانية، في طرابلس وبرقة. علاقات الأمير مع جيرانه المصريين ليست ودية بشكل كبير، وواقع أنه في ستينياته وليس لديه وريث ذكر قد يؤدي إلى غرس بذور النزاع عاجلاً أم آجلاً.

محمود بك المنتصر، الذي تم انتخابه رئيساً للوزراء في الحكومة الليبية المؤقتة من قبل الجمعية التأسيسية شهر مارس الماضي [1951]، هو رجلٌ أعمالٍ لبق ذو تعليمٍ إيطالي، وهو مؤيدٌ للإيطاليين (الأمر الذي يساعده الآن) وأثناء الحرب كان مؤيداً للألمان (الأمر الذي لا يساعده). لا ينتمي لأي حزب سياسي ويقول بأنه لا يعلم شيئاً عن سياسات الأحزاب. حين قابلته في مكتبه، كانت الاستعدادات تجري لإقامة اجتماعٍ وزاري. عاملون يحضرون آنية الماء ويرتبون الكؤوس حولها، وموظفو الديوان يدخلون ويخرجون بحِزمٍ من المستندات. موظفو الديوان كان يبدو عليهم الارتياح أكثر من رئيس الوزراء، الذي كان واضحاً بأنه يدرك جسامة المهمة الموكلة إليه. كان واثقاً من أن حكومات البلاد المستقبلية سوف تضطر لفترةٍ ما – البعض يقولون خمس سنوات – للاعتماد على مساعدة “المستشارين” الغربيين. التوقعات الحالية هي أن نواة الإدارة البريطانية في ليبيا سوف تبقى إلى ما بعد 1 يناير، في الأغلب وفق عقد لمدة خمس سنوات. (أملهم حاليا،ً هو أنه في حين قد يُفضِّل بعض البريطانيين العودة إلى بلادهم بدلاً من البقاء وتلقي الأوامر من ليبيين أعلى رتبةً منهم ولكن أقل خبرةً أو بدون خبرة إطلاقاً في المجال الإداري، فإن غيرهم قد يشعرون بأن هذا التراجع في مكانتهم سيتم تعويضهم عنه بسخاء عبر طبيعة العمل المثيرة للاهتمام، ورفاهية السيارات الرسمية، والبيوت الكبيرة، والخدم، والويسكي الفاخر، في مقابل الركود الكئيب الذي سيلقونه في حالة رجعوا إلى بلادهم). بدلاً من أن يستلم المستشارون البريطانيون مرتباتهم من وزارة المالية البريطانية، فسيستلمونها من وزير المالية الليبي، الذي يحصل على جزء من ميزانيته من وزارة المالية البريطانية. كما أنه من المتوقع ألا توفر الأمم المتحدة الدعم التقني وحسب ولكنها ستوفر أيضاً دعماً مالياً لهذا الطفل الذي تبنته.

طرابلس مدينةٌ جميلة، بمناراتها البيضاء، ومساجدها، وفيلاتها، وشوارعها، وميادينها، وميناء ممتاز كان قد دُمّر في نهاية الحرب ولكن أُعيد بناؤه إلى حدٍّ ما من قبل البريطانيين. تاريخ طرابلس يعود قديماً إلى أيام الفينقيين، الذين سمَّوا المنطقة أوكا. ولاحقاً، النوميديون، والرومان، والفاندالز، والعرب جاؤوا إلى هنا في أوقاتٍ مختلفة. في سنة 1530 وقعت طرابلس تحت حكم فرسان القديس يوحنا لمدة 21 سنة. وعلى مدى القرون القليلة التالية، كانت معقلاً للقراصنة [13]. في ميناء طرابلس، بتاريخ 3 أغسطس 1804، قاد ستيفن ديكتور قوارباً حربية أمريكية في هجومٍ على فرقاطة لقراصنة طرابلسيين، واستولى على سفينتين بعد اشتباكات شديدة بالسلاح الأبيض. أثناء الحرب العالمية الثانية، سيطر مونتغومري على المدينة، والتي أصبحت فيما بعد قاعدة إمدادته الرئيسة.

ولكن حتى في العاصمة طرابلس، فإن مدى جهل الشعب مُفزِع. المدينة يبلغ عدد سكانها مائة وأربعون ألفاً، ولكن أقل من سبعة آلاف منهم يقرؤون جريدةً يومية – أربعة آلاف ونصف يقرؤون الجريدة الإيطالية كوريري دي تريبولي -Corriere di Tripoli وأكثر من ألفين بقليل يقرؤون الجريدة العربية طرابلس الغد. (الجريدتان كلاهما تحت ملكية وإدراة شركة نشر بريطانية، والتي تستخدم أرباحها من الجريدة الإيطالية لتعويض خسائرها من الجريدة العربية). يبدو من شبه المستحيل تعليم الناس العمل لأجل مصلحتهم. منذ الحرب، وبالرغم من التحذيرات الشفهية والمطبوعة المتكررة، إلا أن الكثير من الليبيين لقوا حتفهم أو أصيبوا بعاهات لأنهم يصرون على جمع الذخائر الحية المتناثرة في أرجاء البلاد والتي خلفتها قوات فيلق رومل الأفريقي وجيش مونتغومري الثامن. الليبييون يُشعلون ناراً تحت الذخائر لكي يجعلوها تنفجر، وبعد أن تنفجر، إذا لم يموتوا، فإنهم يقومون ببيع الشظايا في سوق الخردة.

قليلون من العرب يبدو عليهم أنهم يفهمون معنى المسؤولية، أو معنى المجهود التعاوني. ليبيٌّ متعلم أخبرني بأنه لا يمكن أن توجد أبداً مؤسسةٌ صناعية يُديرها عرب، لأن الجميع سيرغبون أن يكونوا مدراءً ولن يقبل أحد حتى بلقب نائب المدير. العرب لا يهتمون كثيراً بالنمو الاقتصادي – نمو ليبيا أو نموهم الشخصي. وبصفة عامة فإنهم غير مهتمين بواقع أنهم إذا عملوا لساعاتٍ أطول، فسيكسبون مالاً أكثر وبالتالي يرفعون من مستوى معيشتهم. المتجر العادي يبقى مفتوحاً ما يكفي من الزمن ليكسب صاحب المتجر قدراً يعتبره كافياً للعيش. ثم يغلق متجره، ويذهب ليجلس تحت شجرة ويرتشف كأساً من الشاي. إذا اقترحت عليه أن يُبقي متجره مفتوحاً لمدةٍ أطول، فسيقول لك: “الله لا يريدني أن أعمل كثيراً…”. وكما يبدو، فإن الله لا يريد من المزارعين الليبيين أن يُحسِّنوا نسل خرافهم أيضاً، مع أنهم يستطيعون أن يكسبوا أكثر لو فعلوا ذلك [14]. كل هذا – من وجهة نظر واحدة، على الأقل – يجعل حياة العربي في ليبيا حياةً خاملة.

هنالك فقط خمسةٌ وأربعون ألف إيطالي في ليبيا (كلهم، أو جلهم موجودن في طرابلس)، الذي يعني بالطبع أنهم أقلية، ولكنهم يديرون غالبية المزارع الجيدة في البلاد، بالإضافة إلى الكثير من تجارتها. أغلب هؤلاء الإيطاليين موجودون هنا منذ العشرينيات، وبالرغم من كل التغييرات منذ الحرب إلا أنهم لم يعتادوا بعد على واقع أنهم لم يعودوا يسيطرون على البلاد. فهم يتصرفون كما لو أنهم مازالوا كذلك. التحية الفاشية مازالت متداولة بأريحية، ربما من دافع العادة وليس من دافع القناعة. في المدارس الإيطالية مازال الأطفال يجدون أمامهم خرائط الإمبراطورية الإيطالية وفي وسطها “بحرنا” [15]، وفي وسط المدينة تستطيع أن تجد لوحةً تذكارية عليها نقش: “إلى بينيتو موسوليني، مُصلح ليبيا، مع إخلاص وولاء شعبه”. وفي حلبة سباق السيارات التي كانت شهيرةً في أحد الأيام في طرابلس، ثلاث حزم عِصي ونقش ANNO XII ماتزال تُزِّين شرفة الدوتشي الخاصة سابقاً [16]. المسافة قصيرة مشياً على الأقدام من حلبة السباق إلى الفيلا الفارهة التي كان موسوليني قد خصصها لكلارا بيتاشي [17]. الفيلا الآن يمتلكها صانع خمور، وهو لاجئ من وسط أوروبا. وقد كان الأمير تعهد بأنه بعد الاستقلال سوف تُحمى حقوق الإيطاليين في ليبيا (وكل الأقليات الأخرى)، ولكن مصير وضعهم السياسي ما يزال غير واضح.

قرابة ألفين وخمسمائة أمريكي يعيشون في ليبيا اليوم – مهندسون وعمال بناء، وأفراد قوات جوية، وموظفو وزارة الخارجية، وبعض رجال الأعمال. هذا الرقم لا يُوضح حقيقة الاهتمام الأمريكي بهذه الرقعة من العالم. الحرب العالمية الثانية أبرزت بشكلٍ كبير الأهمية الاستراتيجية لشمال أفريقيا في الدفاع عن غرب وجنوب أوروبا. ليبيا، وهي منطقة تثير مشاكل للأمم المتحدة، تقع في منتصف الطريق بين المغرب، منطقة مشاكل فرنسية، ومصر، منطقة مشاكل بريطانية. وبالتالي قد لا يكون من سبيل المصادفة أن قاعدة ويلوس الجوية [18] قرب طرابلس، والتي أعلن الجيش الأمريكي في شهر مايو سنة 1947 بأنها تعتبر فائضاً ولا حاجة لها، قد تمت إعادة تفعيلها من قبل الأمريكيين في بداية سنة 1948. طوال النهار والليل، طائراتٌ شحنٍ كبير تحت قيادة خدمات الجيش للنقل الجوي تأتي مِن، وتُقلِع إلى الولايات المتحدة، وألمانيا، واليونان، والسعودية. قاعدة ويلوس استأجرتها حكومة الولايات المتحدة – جزء استأجرته من الحكومة الليبية، والباقي من مُلاّك منفردين – مقابل مبلغ، بالرغم من عدم الإفصاح عنه، إلا أنه معروفٌ أنه متواضع. مما لا شك فيه أنه بعد أن تنال ليبيا استقلالها فسوف يُكلِّفنا إيجار القاعدة أكثر من المبلغ الحالي بكثير، ولكن الأشخاص المتخصصين يشعرون بأن ذلك يستحق كل ما يمكننا دفعه. ليبيا أصبحت من تلك الأماكن الغربية والبعيدة، والتي قد يضطر الأمريكيون للبقاء فيها لفترة طويلة جداً، سواءً أعجبهم ذلك أم لا.

جوزيف ويشبيرغ**
10 نوفمبر 1951.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة، تعليق، ووضع هوامش
إبراهيم سليمان الشريف، بمساعدة كلٍّ مِن مهند المنقوش وسليمان الدرسي، لهما كل الشكر والتقدير.
* رابط المقالة الأصلية، باللغة الإنجليزية، على موقع مجلة النيويوركر:

Letter from Libya, By: Joseph Wechsberg

مجلة النيويوركر The New Yorker مجلة أمريكية أسبوعية، سياسية، ثقافية، أدبية، فنية أُسست سنة 1925 في مدينة نيويورك، وتعتبر من أبرز المنشورات الثقافية في الولايات المتحدة.
** جوزيف ويشبيرغ (1907-1983) كاتب وصحفي وموسيقي تشيكي الأصل. مارس العمل القانوني والدبلوماسي، كما خاض غمار الحرب العالمية الثانية، لفترة مع الجيش التشيكي، ثم مع الجيش الأمريكي. بدأ الكتابة الصحفية مبكراً، فكان يكتب وينشر في عدة جرائد تشيكية قبل هجرته للولايات المتحدة. في الولايات المتحدة علَّم نفسه اللغة الإنجليزية، وبدأ مسيرته الصحفية هناك بنشر مقالات عن تجاربه في الحرب العالمية الثانية في مجلة النيويوركر. نشر جوزيف ويشبرغ مئات المقالات في العديد من المجلات الأمريكية الشهيرة، كما أن له العديد من الكتب في مواضيع متفرقة كالسفر والطعام والموسيقا، ولديه أيضاً بعض الأعمال القصصية. توفي عن عمر 75 سنة في بيته في فيننا بالنمسا سنة 1983.

اقرأ عن جوزيف ويشبيرغ:

Joseph Wechsberg – Biography

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:
[1] – معاهدة فرساي (1919): معاهدة سلام أُبرمت نهاية الحرب العالمية الأولى، وانتهت بموجبها الحرب بين ألمانيا وقوات الحلفاء. وهي شهيرة بما أثارته من جدل حول مطالبة الحلفاء لألمانيا بدفع تعويضات ضخمة (ما يقارب 442 مليار دولار حسب قيمة العملة اليوم). مؤتمر يالطا (فبراير 1945): مؤتمر التقى فيه قادة الدول الثلاث الكبرى من قوات الحلفاء: فرانكلين روزفلت من الولايات المتحدة، وونستون تشرتشل من بريطانيا، وجوزيف ستالين من الاتحاد السوفييتي. وقد تمت في هذا المؤتمر مناقشة عدة قضايا مثل ضرورة استسلام ألمانيا النازية غير المشروط، والوصاية عليها ونزع سلاحها، والتعويضات، والحرب ضد اليابان. بالإضافة إلى مناقشة إعادة هيكلة الدول الأوروبية بعد الحرب، الأمر الذي أثار كثيراً من الجدل. مؤتمر بوتسدام (أغسطس 1945): مؤتمر التقى فيه قادة الدول الثلاث الكبرى، هاري ترومان من الولايات المتحدة، وجوزيف ستالين من الاتحاد السوفييتي، وونستون تشرشل، ولاحقاً كليمينت أتلي، من بريطانيا. وقد دار النقاش في هذا المؤتمر حول العقوبات التي ستُفرض على ألمانيا النازية، بالإضافة إلى بضعة قضايا أخرى كإقرار النظام بعد الحرب، وإبرام اتفاقيات سلام، وإعادة البناء.

[2] – أغلب الظن أن الكاتب يُشير هنا إلى إيريك آ. ف. دي كاندول، والذي كان يشغل منصب المفوَّض المعتمد لبريطانيا في برقة من عام 1949 إلى عام 1952، والذي ربطته بالملك إدريس صداقة حميمة. (راجع: الملك إدريس عاهل ليبيا: حياته وعصره. ئي. آ. ف. دي كاندول. ترجمة محمد عبده بن غلبون. 1989.).
[3] – مجلس وزراء الدول الأربع الكبرى، وهي أمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي، كان قد اجتمع عام 1947 وقرر تشكيل لجنة رباعية للنظر في وضع المستعمرات الإيطالية. وقد زارت اللجنة ليبيا لمدة 75 يوماً (40 يوماً في طرابلس، 25 يوماً في برقة، و10 أيام في فزان). وقد استقت اللجنة معلوماتها بالأساس من الإدارات العسكرية الأجنبية في البلاد، ولذلك يقول البعض بأن معلومات اللجنة لم تكن كاملة أو صحيحة في كثير من الأحيان، وحتى اللجنة نفسها انتقدت بعض المعلومات التي قدمتها لها الإدارات العسكرية. (جهاد الليبيين في ديار الهجرة من عام 1343ه – 1924م إلى عام 1372ه – 1952م. الطاهر أحمد الزاوي. دار الفرجاني. طرابلس، ليبيا. ط1. 1976. ص 193-194.) وبالإضافة إلى عدم دقة معلومات اللجنة، يرجع البعض سبب عدم اتفاق اللجنة الرباعية ولجوءها أخيراً إلى إحالة قضية المستعمرات الإيطالية السابقة إلى الأمم المتحدة، يرجع البعض سبب ذلك إلى سعي كل طرف وراء مصلحته الشخصية، حيث كان هنالك صراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة حول رغبة السوفييت في الوصاية على طرابلس، كما أن بريطانيا وفرنسا لم تكونا تريدان التخلي عن سلطاتهما في برقة وفزان، وإيطاليا أيضاً كانت تعرقل عمل اللجنة بإصرارها على الاحتفاظ بالوصاية على طرابلس. (ذكريات حياتي. وهبي البوري. بنغازي، ليبيا. ط1. 2013. ص76.)
[4] – إرنست بيفن وزير خارجية بريطانيا، وكارلو سفورزا وزير خارجية إيطاليا، اقترحا وضع ليبيا تحت وصاية بريطانيا في برقة، وإيطاليا في طرابلس، وفرنسا في فزان، على أن تصبح ليبيا دولةً مستقلة بعد عشر سنوات. وقد تم التصويت على المقترح في الأمم المتحدة، لكنه لم ينل أغلبية الثلثين اللازمة لإقرار المشروع، حيث كان ينقصهم صوتٌ واحد، وهو صوت السيد أميل سان لو مندوب هايتي في الأمم المتحدة الذي صوَّت ضد المشروع بشكلٍ غير متوقع. وعند إعادة التصويت على المشروع، تم التصويت ضده بالأغلبية. (الملك إدريس عاهل ليبيا: حياته وعصره. ئي. آ. ف. دي كاندول. مرجع سابق. ص 94-96.)
[5] – لم تكن هنالك إدارة انتقالية وطنية بمعنى الكلمة، حيث تمتعت برقة وحدها بإدارة ذاتية عام 1949، أما طرابلس فقد سمحت الإدارة العسكرية البريطانية بتكوين المجالس البلدية، وفي فزان سمحت الإدارة العسكرية الفرنسية لمجلس تمثيلي بانتخاب رئيس لفزان، ولكن ظلت مسألة الحكم الذاتي مُقيدة في المنطقتين بالرغم من مساعي البعض، من بينهم الأمير إدريس، نحو إقامة إدارة ذاتية في كل من المناطق الثلاث. وقد أخذت الجمعية الوطنية التأسيسية على عاتقها مهمة إنشاء حكومتين محليتين في كلٍّ من طرابلس وفزان عام 1951، مطالبةً بريطانيا وفرنسا بأن تسمحا لهما بمزاولة عملهما باعتبار أن هذه خطوة أولى باتجاه تشكيل حكومة اتحادية مؤقتة. ووفق قرار صادر من الجمعية الوطنية التأسيسية، بتاريخ 29 مارس 1951، تم تشكيل الحكومة الاتحادية المؤقتة، والتي تكونت من السادة: محمود المنتصر رئيساً للوزراء ووزيراً للعدل ووزيراً للتربية، علي أسعد الجربي وزيراً للخارجية ووزيراً للصحة، عمر شنيب وزيراً للدفاع، منصور قدارة وزيراً للمالية، إبراهيم بن شعبان وزيراً للمواصلات، محمد بن عثمان وزيراً للدولة. (ليبيا الحديثة: دراسة في تطورها السياسي. د. مجيد خدوري. ترجمة د.نقولا زيادة، مراجعة د.ناصرالدين الأسد. دار الثقافة. بيروت. رقم الطبعة. 1966. ص186-189.)
[6] – مجلس الأمم المتحدة بخصوص ليبيا، ويعرف أيضاً بالمجلس الاستشاري، أو (مجلس العشرة) لأنه ضم عشرة أعضاء وهم: الأستاذ كامل سليم من مصر، الأستاذ عبدالرحمن خان من باكستان، السير هيو ستونهيور بيرد من بريطانيا، المسيو جورج ج. بالاي من فرنسا، البارون جيوستي كونغالونييري من إيطاليا، المستر لولس كلارك من الولايات المتحدة، السيد علي أسعد الجربي من برقة، السيد مصطفى ميزران من طرابلس، السيد أحمد بن الحاج السنوسي صوفو من فزان، والسيد جياكومو ماركينو (إيطالي) عن الأقليات. (جهاد الليبيين في ديار الهجرة. الطاهر أحمد الزاوي. مرجع سابق. ص 256.) الأقليات هنا لا يُقصد بها الأقليات الثقافية الليبية، كالأمازيغ والطوارق والتبو، وإنما يُقصد بها الأقليات الأجنبية التي كانت مقيمةً في ليبيا، والتي كانت لديها مصالح اقتصادية ومالية بالدرجة الأولى، وهي تشمل الأقليات الإيطالية بالأخص، وأيضاً الأقليات المالطية واليونانية واليهودية، كما أوضح مندوب الأمم المتحدة إدريان بيلت في أحد تقاريره. (راجع: جهاد الليبيين في ديار الهجرة. الطاهر أحمد الزاوي. مرجع سابق. ص396-370.)

[7] – الصومال تم تقسيمها إلى منطقتين، وُضعت إحداهما تحت الوصاية البريطانية (الشمال الغربي)، وبقيت الثانية تحت الوصاية الإيطالية (الشمال الشرقي، والوسط، والجنوب). واستمرت هذه الوصاية لمدة 15 عاماً. وفي عام 1960 تحصلت الصومال البريطانية على استقلالها، وبعدها بأيامٍ قليلة تحصلت الصومال الإيطالية أيضاً على استقلالها، وتوحدت المنطقتان لتكوين جمهورية وفق ضوابط حددتها بريطانيا وإيطاليا. وقد سقطت الجمهورية بانقلاب عام 1969، وتأسست جمهورية الصومال الديمقراطية التي سقطت هي الأخرى عام 1991 بنشوب الحرب الأهلية الصومالية، ولم تستقر الصومال منذ ذلك الحين. إيرتريا بقيت تحت وصاية البريطانيين بعد أن دحروا منها الإيطاليين في الحرب العالمية عام 1941، واستمرت هذه الوصاية لمدة 10 سنوات وفق قرار من الأمم المتحدة. في عام 1951 انتهت الوصاية وانضمت إيرتريا إلى اتحاد فيدرالي مع أثيوبيا، أيضاً وفق قرار من الأمم المتحدة. وحين حاولت أثيوبيا ضم إيرتريا إليها وجعلها إحدى محافظاتها عام 1962، ثارت مشاكلٌ داخلية بين الطرفين، وبدأت حرب استمرت لمدة 30 عاماً تقريباً، إلى أن نالت إيرتريا استقلالها والاعتراف الدولي بها عام 1993.
[8] – عشب إسبارتو أو الحلفاء، نبات ينمو في شمال أفريقيا (بالتحديد المغرب العربي) وجنوب أوروبا (بالتحديد إسبانيا والبرتغال). يستخدم في عدة صناعات، مثل صناعة الحبال والسلال والحصائر، كما يستخدم أيضاً لصناعة ورق طباعة عالي الجودة.
[9] – نالت هذه الدول الثلاث استقلالها من فرنسا بعد انتفاضات ومفاوضات عديدة في تونس عام 1956، والمغرب عام 1957، والجزائر بعد حرب التحرير عام 1962.
[10] – المجلس الاستشاري المكون بخصوص ليبيا، والمعروف أيضاً بمجلس العشرة، اتخذ قراراً بناءً على اقتراح من مندوب باكستان بتشكيل لجنة تحضيرية لتشكيل الجميعة الوطنية التأسيسية، ونص قراراهم على أن يُعين الأمير إدريس سبعة ممثلين لبرقة، وأن يختار زعماء الأحزاب السياسية في طرابلس سبعة ممثلين لطرابلس (من بينهم ممثل للأقليات)، وأن يقوم رئيس فزان، السيد أحمد سيف النصر، بتعيين سبعة ممثلين لفزان. لتتكون اللجنة التحضيرية من 21 عضواً هم: من برقة: عمر شنيب، خليل القلال، الحاج رشيد الكيخيا، الحاج عبدالكافي السمين، محمد أبوهدمة، أحمد عقيلة الكزة. من طرابلس: الشيخ محمد أبو الأسعاد العالم (مفتي ليبيا)، الشيخ أبو الربيع الباروني، الكوماندتور ماركينو، سالم المريض، الأستاذ علي رجب، أحمد عون سوف، عبدالعزيز الزقلعي. من فزان: الحاج الطاهر الجراري، المهدي هيبة، أبوالقاسم أبوقيلة، الحاج علي بديوي، أحمد الطبولي، على المقطوف، محمد عثمان الصيد. وقررت اللجنة في البداية أن يترأس اجتماعاتها أكبر الأعضاء سناً، فاختير الشيخ محمد أبو الأسعاد العالم، وأن يكون السكرتير أصغر الأعضاء سنا،ً فاختير محمد عثمان الصيد، وتم اختيار السيد علي القلال مقرراً للجلسة. (محطات من تاريخ ليبيا: مذكرات محمد عثمان الصيد رئيس الحكومة الليبية الأسبق. ط1. 1996. ص56-57.)
[11] – رقم ثلاثة ملايين لا يبدو صحيحاً، وربما الكاتب اختلطت عليه مكانة الملك إدريس السنوسي في ليبيا وعلاقة العائلة السنوسية ببعض القبائل الليبية، وأيضاً مكانة الملك إدريس السنوسي في العالم الإسلامي بصفته رئيس الحركة السنوسية التي لها الكثير من الفروع والأتباع.
[12] – يقول البعض بأن مغادرة الملك إدريس كانت بسبب فشل كل المفاوضات الدبلوماسية مع الإيطاليين، وأن الكثير من أتباع الحركة السنوسية وقادة المجاهدين كانوا يؤيدون قراره بالرحيل، نظراً لأن دوره القيادي كان سياسياً ودبلوماسياً أكثر من كونه قتالياً، ووجوده في ليبيا يُعرضه لخطر الاعتقال أو الاغتيال من قبل الإيطاليين. وبالرغم من أن الحكومة المصرية كانت قد فرضت على الأمير إدريس عدم ممارسة أي أعمال مناهضة للاحتلال الإيطالي، إلا أن دعمه للمجاهدين وموقفه منهم كان واضحاً، وحتى عمر المختار نفسه رحمه الله كان قد رافق الأمير إلى مصر في البداية، ثم عاد إلى ليبيا. ويشير البعض إلى أن عمر المختار رفض مقابلة بعض خصوم ومعارضي الأمير في مصر، الأمر الذي قد يُلمِّح إلى وجود تفاهم ومخطط بين الأمير وبين عمر المختار والمجاهدين، وبأنه لا يوجد خلاف بينهما كما قد يقول البعض. (الملك إدريس عاهل ليبيا: حياته وعصره. ئي. آ. ف. دي كاندول. مرجع سابق. ص43-44.) كان الملك إدريس معارضاً للنفوذ الأجنبي والوصاية الأجنبية كغيره من الليبيين، ويبدو من الغريب ذكر أنه كان يؤيد بقاء القوات البريطانية والفرنسية في بداية استقلال ليبيا، زمن كتابة هذه المقالة، فحتى وإن كانت تربطه ببريطانيا علاقة جيدة، فإن علاقته بالفرنسيين لم تكن جيدة على الإطلاق، وكان قد رفض شروطهم التي وضعوها لدعم الاستقلال، وهي بعدم مساعدة دول الشمال الأفريقي الأخرى لنيل استقلالها (تونس، الجزائر، المغرب). ويُذكر أن فرنسا لم توافق على الخروج من فزان وتأييد استقلال ليبيا إلا بسبب ضغوطات من الولايات المتحدة. أما موقف الملك الواضح من حيث تأييد بقاء القوات الأجنبية، فقد جاء في زمنٍ متأخر، وسط ونهاية الستينيات، حين كان مهتماً أساساً بوضع ليبيا المالي واعتمادها على عائدات إيجار القواعد الأجنبية. (راجع: ذكريات حياتي. وهبي البوري. مرجع سابق. ص79-80، ص 328-330.)
[13] – لطالما وصف المستشرقون والمؤرخون الغربيون تصرفات البحرية الليبية أيام الحكم القرمانلي بأنها (قرصنة)، متجاهل